أبو علي سينا
29
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
والقوة الخامسة هي الذاكرة أو الحافظة ، في التجويف المؤخر من الدماغ ، وتحفظ ما تدركه القوة الوهمية . وإلى هنا تنتهى القوى الحيوانية الباطنة . ونلاحظ على هذه القوى الحيوانية أمرين : الأول أن علم النفس الحديث عدل عن القول بوجود قوى أو ملكات تصدر عنها الأفعال النفسانية . والثاني أن ابن سينا يجعل لكل قوة من هذه القوى مركزا في الدماغ ، ويسمى هذا المركز آلة ، فكما أن الحواس المختلفة تدرك بآلات ، كالبصر العين آلته ، كذلك التخيل أو التصور أو التوهم له آلة خاصة به . أما العقل فلا آلة له . وهذا أيضا مما لا يسلم به علم النفس الحديث ، فهو يقر بوجود مناطق في المخ تختص كل منطقة منها بوظيفة نفسانية ، حتى التفكير والتعقل . ولكن نظرية برجسون في الصلة بين الجسم والعقل تذهب إلى أن تعلق الظواهر الشعورية بالمخ ليس دليلا على أن المادة هي الشعور . مهما يكن من شيء فإن ابن سينا سوف يعتمد على أن العقل لا يدرك بآلة من الآلات في البرهان على جوهريته وقيامه بذاته ومفارقته البدن بعد الموت . - 3 - والنفس الناطقة تنقسم قسمين : عاملة وعالمة . والعقل العملي هو مبدأ حركة بدن الإنسان بعد الروية . وإذا كانت النفس الحيوانية محركة للحيوان أيضا ، فليس ذلك بعد روية وتفكير ، بل بنزوع شوقى ينبعث إما عن الشهوة أو الغضب . وللعقل العملي وظائف ثلاث : فهو حين يضاف إلى القوة الحيوانية النزوعية يحدث عنه هيئات انفعالية مثل الخجل والحياء والضحك والبكاء . وحين يضاف إلى المتوهمة ، يستفيد منه الإنسان في التدابير الكائنة الفاسدة وفي استنباط الصناعات المختلفة . وحين يضاف إلى العقل النظري يتولد عنه الآراء الذائعة مثل أن الكذب قبيح .